صديق الحسيني القنوجي البخاري

34

فتح البيان في مقاصد القرآن

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب : عن ابن عمر قال أهدي إلى رجل من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأس شاة فقال : إن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا ، فبعث به إليه ، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها أهل سبعة أبيات حتى رجعت إلى الأول فنزلت فيهم هذه الآية . وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ قرأ الجمهور يوق بسكون الواو وتخفيف القاف من الوقاية ، وقرىء بفتح الواو وتشديد القاف ، وقرأوا شح بضم الشين ، وقرىء بكسرها ، وهذا كلام عام ، ( ومن ) شرطية ، ويوق فعل الشرط ، والشح البخل مع الحرص كذا في الصحاح ، وقيل : الشح أشد من البخل ، قال مقاتل : شح نفسه حرص نفسه . قال سعيد بن جبير : شح النفس هو أخذ الحرام ومنع الزكاة ، قال ابن زيد : من لم يأخذ شيئا نهاه اللّه عنه ولم يمنع شيئا أمره اللّه بأدائه فقد وقى شح نفسه ، قال طاوس : البخل أن يبخل الإنسان بما في يده والشح أن يشح بما في أيدي الناس يحبّ أن يكون له ما في أيديهم بالحلال والحرام ؛ لا يقنع . وقال ابن عيينة : الشح الظلم وقال الليث : ترك الفرائض وانتهاك المحارم . فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ جزاء الشرط المتقدم ، وفيه رعاية معنى من بعد رعاية لفظها ، والفلاح الفوز والظفر بكل مطلوب ، أي الفائزون بما أرادوا والظاهر من الآية أن الفلاح مترتب على عدم شح النفس بشيء من الأشياء التي يقبح الشح بها شرعا ، من زكاة أو صدقة أو صلة رحم أو نحو ذلك ، كما تفيده إضافة الشح إلى النفس ، عن ابن مسعود أن رجلا قال : إني أخاف أن أكون قد هلكت ، قال : وما ذاك ؟ قال : إني سمعت اللّه يقول وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج مني شيء ، فقال له ابن مسعود : ليس ذلك بالشح ، ولكنه البخل ، ولا خير في البخل ، وإن الشح الذي ذكره اللّه في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلما . وعن ابن عمر في الآية قال : ليس الشح أن يمنع الرجل ماله ، ولكنه البخل وإنه لشر ، إنما الشح أن تطمح عين الرجل إلى ما ليس له ، وعن علي بن أبي طالب قال : من أدى زكاة ماله فقد وقى شح نفسه . وعن أنس قال : « قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما محق الإسلام محق الشح شيء قط » أخرجه أبو يعلى وابن مردويه ، وأخرج أحمد والبخاري في الأدب ومسلم والبيهقي : عن جابر بن عبد اللّه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم ، واستحلوا محارمهم » « 1 » .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في البر حديث 57 ، وأحمد في المسند 2 / 431 ، 3 / 323 .